تخطَّ إلى المحتوى
المسطبة
موضة وفن

سليمان منصور: رسم الذاكرة كوسيلة للبقاء

تجاوز فنان فلسطين سليمان منصور حدود الرسم التقليدي ليرسم حق الإنسان في الذاكرة، حيث تحولت لوحاته إلى أرشيف مضاد للنسيان وجغرافيا بديلة لا يستطيع الاحتلال محوها.

سليمان منصور: رسم الذاكرة كوسيلة للبقاء

لم يكن سليمان منصور مجرد رسام يرصد المشاهد أو يصوغ رؤى يريدها الآخرون أن يروها، بل انتمى لفئة نادرة من الفنانين الذين لم يرسموا الأشياء المادية بقدر ما رسموا الحق الإنساني في امتلاك ذاكرة. رحيل هذا الفنان الفلسطيني لا يمكن اختزاله في رثاء فني عابر، إذ إن تجربته تجاوزت حدود اللوحة لتطرح سؤالاً وجودياً حول قدرة شعب مهدد بالمحو على إنتاج صورة عن ذاته والحفاظ عليها وتوريثها للأجيال القادمة.

من الجغرافيا إلى الهوية

تعتبر لوحة “جمل المحامل” أيقونة تتجاوز كونها عملًا فنيًا لتصبح استعارة فلسفية عن فلسطين. تجسد اللوحة رجلاً يحمل مدينة على ظهره، وهي القدس بوصفها رمزًا وذاكرة وتاريخًا. لكن الصورة لا تكتفي بالجغرافيا، بل تختزل وطناً كاملاً يحمله إنسان أنهكه الحمل لكنه أبى التخلي عنه. هنا تكمن عبقرية منصور في تحويله الجغرافيا إلى ذاكرة، والذاكرة إلى عبء، والعبء إلى هوية. فالذاكرة في التجربة الفلسطينية ليست مجرد استدعاء ذهني للماضي، بل هي شرط أساسي للبقاء في الحاضر، خاصة حين تصبح الأرض موضع اقتلاع والأسماء قابلة للمحو.

أرشيف مضاد للنسيان

لم يستعد منصور فلسطين القديمة بدافع الحنين الرومانسي، بل مارس فعلاً عميقاً يتمثل في إعادة إنتاج الوجود الفلسطيني داخل المخيلة. تحوّل التراث لديه من فولكلور بصري إلى أرشيف مضاد للنسيان. العناصر التي حاورها كالزيتون والبرتقال والمرأة والتطريز والعمارة الريفية، لم تكن زخارف، بل كانت شهادات متجسدة ونسباً وحكايات. كان يدرك أن الخطر الأكبر على الشعب ليس خسارة المعارك، بل فقدان القدرة على تخيل الذات، مما يجعل الرسم عنده فعلاً من أفعال السيادة الرمزية يؤكد فيه: هذه فلسطين كما نراها نحن.

الطين والذاكرة

لم يكتفِ منصور برسم الأرض، بل أدخلها مادياً إلى العمل الفني عبر استخدام الطين والمواد الطبيعية. لم يكن ذلك بحثاً عن بديل تقني، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين العمل الفني ومصدره الأول. أصبح الطين مادة ذاكرة، حيث تدخل الأرض اللوحة وتعود اللوحة لتدخل الذاكرة، مشكلة دائرة رمزية تستعيد ما لا يمكن استعادته مادياً. هكذا صنع منصور جغرافيا بديلة لفلسطين، لا تستطيع الحدود السياسية إغلاقها أو مصادرة أرشيفها.

إن رحيل منصور ليس نهاية تجربة، بل انتقال لمسؤولية أخلاقية نحو الأجيال القادمة. اللوحات التي تركها ليست إرثاً جمالياً فحسب، بل سؤالاً حيوياً عما سنفعله بالذاكرة التي وصلت إلينا. الرجل الذي حمل القدس حتى أثقلته يبدو منحنياً، لكن المدينة التي يحملها تبقى منتصبة. يموت حاملو الذاكرة، لكن الرمز لا يشيخ، ويبقى الرجل يمشي عابراً الأزمنة ليذكرنا بأن أخطر ما يمكن خسارته هو الصورة التي تجعلنا نؤمن بأن الوطن لنا وسيبقى لنا.

أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار المسطبة.

اقرأ أيضاً