كيف يصنع الغزيون توازنهم النفسي بين الخوف والتكيف؟
في ظل استمرار الحرب، يتعلم سكان غزة التعايش مع الخوف المستمر من خلال بناء مساحات أمان صغيرة والتمسك بالروتين اليومي والتضامن الاجتماعي، دون أن يعني ذلك زوال الألم أو الإرهاق النفسي.
طبيعة الخوف والتكيف النفسي
يواجه الإنسان في زمن الحرب تحدياً نفسياً معقداً يتمثل في القدرة على الاستمرار رغم عدم الاستقرار المحيط به. وتُظهر الملاحظات الميدانية أن الصمود لا يعني انعدام الخوف، بل هو عملية تعلم لحمل هذا الخوف وإدارته دون السماح له بالسيطرة الكاملة على الحياة. يخاف الفرد الغزي على أسرته ومستقبله وبيته، وهو شعور طبيعي يعبر عن إنسانيته، لكن الفرق يكمن في كيفية التعامل مع هذا الشعور عبر الزمن.
عندما يصبح الخطر مستمراً، يبحث العقل البشري عن آليات للتكيف تسمح بالاستمرار رغم الألم. ولا يعني التكيف هنا الراحة أو القبول الكامل بالمأساة، بل إيجاد طرق عملية للبقاء. تتجلى هذه الآليات في تنظيم الأولويات اليومية، والبحث عن لحظات طبيعية وسط الفوضى، والاهتمام بالأبناء ومساعدة الآخرين حتى في أحلك الظروف.
مساحات الأمان الصغيرة والروتين
تعمل النفس البشرية بذكاء لصناعة ما يمكن وصفه بـ«مساحات الأمان الصغيرة» في خضم الأزمات الكبرى. فبدلاً من البحث عن أمان مطلق غير متوفر، يركز الأفراد على تفاصيل بسيطة توفر راحة نفسية مؤقتة، مثل الجلوس مع العائلة، أو مشاركة كوب الشاي، أو سماع ضحكة طفل، أو تبادل الحديث مع الجيران. هذه التفاصيل التي قد تبدو تافهة لمن يعيش حياة مستقرة، تصبح أدوات حيوية للحفاظ على التوازن النفسي.
كما يلعب الروتين اليومي دوراً مقاوماً للفوضى التي تحاول الحرب فرضها. فعندما يكون المستقبل مجهولاً ويصعب التنبؤ بموعد الخطر أو توفر الاحتياجات الأساسية، يصبح الحفاظ على عادات يومية مثل إعداد الطعام أو تعليم الأطفال أو ترتيب المكان فعلًا نفسياً مهماً. يرسل هذا السلوك رسالة واضحة للعقل مفادها أنه لا يزال هناك جزء من الحياة يمكن التحكم فيه، مما يعزز الشعور بالاستقرار النسبي.
التضامن الاجتماعي وثمن التكيف
تعتبر العلاقات الاجتماعية مصدراً رئيسياً للقوة النفسية في المجتمع الغزي. فالإنسان لا يواجه الحرب ككيان منفرد، بل ضمن شبكة دعم تشمل الجيران والأقارب والأصدقاء وحتى الغرباء. يشعر الفرد بأن الحمل أخف عندما يجد من يشاركه المعاناة، مما يجعل التحمل أسهل مقارنة بالعزلة.
ومع ذلك، يجب التمييز بين التكيف والصحة النفسية الكاملة. فقد يبدو الشخص متماسكاً ظاهرياً بينما يحمل إرهاقاً داخلياً كبيراً. وقد يعتاد على وجود الخطر، لكن ذلك لا يعني اختفاء آثاره. لذلك، فإن احترام تعب الناس وإرهاقهم النفسي لا يقل أهمية عن الإعجاب بصمودهم. فالقوة الحقيقية ليست في عدم السقوط أبداً، بل في القدرة على النهوض عند الحاجة، مع إدراك أن التوازن النفسي حالة متغيرة تتأثر بالظروف المحيطة.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار المسطبة.