تحوّل الاقتراض الفلسطيني من حل مؤقت إلى شريان حياة يخنق الاقتصاد
ورقة بحثية جديدة تكشف كيف تحوّل الدين العام في السلطة الفلسطينية من أداة طارئة لسد فجوات السيولة إلى هيكل دائم لتمويل الرواتب، مما يهدد استدامة المالية العامة.
لا تكمن خطورة الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية في نقص الإيرادات فحسب، بل في الطريقة التي تمّ بها التعامل مع هذا النقص على مدى سنوات طويلة. فقد تحوّل الاقتراض تدريجياً من إجراء مؤقت لسد فجوات السيولة إلى مصدر شبه دائم لتمويل النفقات الجارية والرواتب. وتبرز هذه الخلاصة في ورقة بحثية بعنوان «الهيكل المالي الخانق: قرصنة المقاصة وانفجار الدين العام كأداة لتقويض السلطة الفلسطينية»، أعدها الباحث خالد أبو عامر ضمن إصدارات المركز الفلسطيني للدراسات السياسية.
من تعويض العجز إلى تراكم الديون
تقدم الورقة قراءة مختلفة للأزمة، فلا تكتفي بتحميل الاحتلال المسؤولية عن الاختناق المالي، بل تبحث في كيفية إدارة السلطة للصدمات المتكررة وكيف أدى غياب التكيف الهيكلي المبكر إلى تضاعف أثر فقدان إيرادات المقاصة. وتشير الدراسة إلى أن المشكلة الأساسية بدأت عندما أصبحت الحكومة مضطرة إلى تغطية الفجوة بين الإيرادات والتزاماتها الثابتة، مثل الرواتب وخدمة الدين، من خلال السحب على المكشوف والتسهيلات المصرفية قصيرة الأجل.
وكشفت الأرقام عن تحول كبير في بنية المديونية؛ حيث ارتفع إجمالي الدين العام المباشر من 547 مليون دولار عام 1998 إلى نحو 4.45 مليار دولار عام 2026. وفي المقابل، قفز الدين المحلي من 1.26 مليار دولار عام 2018 إلى نحو 3.35 مليار دولار عام 2026، ليصبح قرابة 75% من الدين المباشر. وترى الدراسة أن هذا التغير يعكس تحولاً في وظيفة الدين نفسه، فبدلاً من توجيهه للاستثمار، أصبح يُستخدم لتغطية النفقات التشغيلية الحالية دون زيادة القدرة المستقبلية على السداد.
البنوك والدين الضمني
أصبحت البنوك ممولاً رئيسياً للحكومة، مما خلق منافسة مباشرة بينها وبين القطاع الخاص على السيولة المتاحة. ويحذر التقرير من أن هذا الاعتماد يقلل المساحة لتمويل الشركات والمشاريع، وينقل الأزمة المالية الحكومية إلى الاقتصاد الأوسع عبر ارتفاع تكلفة التمويل وضعف النشاط التجاري. كما تشير الورقة إلى وجود «دين ضمني» يتجاوز 30 مليار شيكل، يشمل المتأخرات تجاه صندوق التقاعد والموردين، مما يرفع إجمالي مديونية السلطة إلى نحو 45 مليار شيكل.
إدارة المال العام والاقتراحات
ترى الدراسة أن طريقة إدارة المالية العامة ساهمت في تحويل الصدمة الخارجية إلى أزمة بنيوية، بسبب ارتفاع فاتورة الأجور وعدم استكمال إصلاحات جوهرية. وتقترح الورقة إعادة هيكلة الموازنة وترشيد الإنفاق الجاري، ومراجعة فاتورة الأجور وصندوق التقاعد، وحماية سقف الاقتراض المحلي، ووقف التوسع في الاقتراض الاستهلاكي. كما تدعو إلى إنشاء آلية واضحة لجدولة المتأخرات لاستعادة الثقة في السوق المحلي.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار المسطبة.