اعتداءات واقتحام لمراكز إنسانية بطرابلس وسط تصاعد التوتر
تحولت مراكز خدمات اللاجئين والمهاجرين في طرابلس إلى ساحة توتر متصاعد، بعدما امتدت احتجاجات مناهضة لما يوصف بـ"التوطين" إلى مرافق إنسانية.
تحولت مراكز خدمات اللاجئين والمهاجرين في طرابلس إلى ساحة توتر متصاعد، بعدما امتدت احتجاجات مناهضة لما يوصف بـ”التوطين” إلى مرافق إنسانية، وسط اعتداءات وتحذيرات من تداعياتها على الخدمات الأساسية.
حين دخلت فاطمة محمود، السودانية البالغة من العمر 27 عامًا، إلى مركز خدمات تابع للمنظمة الدولية للهجرة في طرابلس، كانت تبحث عن طبيب لابنتها التي تعاني من مرض مزمن. لم تكن تتوقع أن تتحول الزيارة خلال دقائق إلى مشهد من الصراخ والفوضى والعنف.
وصلت محمود إلى ليبيا عام 2023، وتقول إن زوجها فُقد في البلاد قبل نحو عامين، ولا تعرف حتى اليوم شيئًا عن مصيره. ومنذ ذلك الحين، تعيل بمفردها ابنتيها، وكلتاهما تعانيان من أمراض مزمنة.
«كنت في المركز من أجل ابنتي. فجأة سمعت صراخًا، وفي غضون ثوانٍ حدث كل شيء»، تقول محمود لـ DW. وتتابع: «ذهبت إلى المركز بحثًا عن علاج لابنتي، ولم أتوقع أن أتعرض للاعتداء في مكان جئت إليه لطلب المساعدة».
ومن بين الموجودين داخل المركز لحظة الاقتحام كانت اشتياق محمد، وهي مهاجرة سودانية تبلغ من العمر 38 عامًا وتعيش في ليبيا مع طفليها. وخلال الفوضى، أصيبت بكسر في يدها وسقطت على ركبتها وسط التدافع، ولا تزال تعاني من آلام مذاك.
وتقول اشتياق لـ DW: «منذ ذلك اليوم لم أعد أشعر بالأمان كما كنت من قبل. ما زلت أعاني من الألم، وأصبحت أخاف حتى من الخروج».
في السابع من سبتمبر/أيلول، اقتحم أشخاص مركزًا للخدمات الإنسانية تديره المنظمة الدولية للهجرة في منطقة السياحية، غربي طرابلس. وقالت منظمة «رصد الجرائم في ليبيا» إنها وثقت اعتداءات طالت مهاجرين وموظفين محليين، من بينهم نساء وأطفال وكبار في السن وأشخاص يعانون من مشكلات صحية، مشيرة إلى أن الهجوم تسبب في توقف المركز عن تقديم خدماته.
وأظهرت تسجيلات متداولة أشخاصًا يدخلون المبنى بالقوة ويُخرجون من بداخله، فيما تحدثت تقارير لاحقة عن تخريب بعض محتوياته. لكن أحداث سبتمبر/ أيلول لم تكن سوى الحلقة الأحدث في أزمة بدأت قبل أشهر.
فمنذ الرابع من يونيو/حزيران، شهدت طرابلس احتجاجات أمام مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج، شارك فيها مئات المحتجين الرافضين لما يصفونه بـ«توطين المهاجرين». وأُغلق مدخل المقر بالأتربة، قبل أن تمتد الاحتجاجات لاحقًا إلى مرافق تابعة للمنظمة الدولية للهجرة.
وعندما حاولت المفوضية استئناف نشاطها في أغسطس/آب، أُغلق مدخلها مجددًا، قبل أن يشهد سبتمبر اقتحام مركز تابع للمنظمة الدولية للهجرة. وفي قلب هذه الاحتجاجات يقف حراك «لا للتوطين»، الذي يطالب بإغلاق مكاتب المنظمات المعنية بالهجرة واللجوء وترحيل من دخلوا ليبيا بصورة غير نظامية.
وقالت المحامية ثريا الطويبي، رئيسة الحراك، لـDW إن ما وقع في مقر المنظمة الدولية للهجرة كان «نتيجة غضب الشعب» بعد إعادة فتح المركز، مضيفة أن الحراك سبق أن أغلق مقار المفوضية والهجرة الدولية «بشكل رمزي»، وأن إعادة تشغيلها أثارت مزيدًا من الغضب.
وأضافت الطويبي أن مطالب الحراك تشمل «الترحيل الفوري لكل الأجانب الذين دخلوا بشكل غير شرعي»، باستثناء العمالة الموجودة بعقود عمل، إلى جانب تشديد الرقابة على الحدود ، ووقف منح بعض التأشيرات، وإعادة النظر في استقدام العمالة الأجنبية في قطاعات تتوافر فيها، بحسب قولها، كوادر ليبية.
وترى الطويبي، في حديثها لـ DW، أن المساعدات التي تقدمها المفوضية والمنظمة الدولية للهجرة تجعل ليبيا «عامل جذب» للمهاجرين، وتطالب بإغلاق مكاتبهما في البلاد، معتبرة أن استمرار نشاطهما قد يقود إلى بقاء أعداد كبيرة من المهاجرين بصورة دائمة في ليبيا.
كما ربطت في حديثها لـDW بين وجود المهاجرين وارتفاع الجريمة وانتشار الأمراض وارتفاع الأسعار وتراجع الوضع الاقتصادي، وقالت إن أعدادهم تتجاوز ثلاثة ملايين شخص. لكن هذه التقديرات تفوق بصورة كبيرة أحدث أرقام المنظمة الدولية للهجرة، إذ أحصت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة 943,748 مهاجرًا في ليبيا خلال مارس/آذار 2026، موزعين على مئة بلدية في أنحاء البلاد.
أما مفوضية اللاجئين فتسجل أكثر من مئة ألف لاجئ وطالب لجوء في ليبيا ، ويشكل السودانيون الغالبية الساحقة منهم. وتنفي الأمم المتحدة وجود برنامج لتوطين المهاجرين أو اللاجئين في ليبيا.
وقالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في يونيو/حزيران إن الادعاءات المتعلقة بتنفيذ وكالات أممية برامج لتوطين المهاجرين في البلاد «عارية عن الصحة»، مؤكدة في الوقت نفسه حق الليبيين في التعبير السلمي عن مخاوفهم استنادًا إلى معلومات دقيقة.
كما أوضحت أن عمل المفوضية يركز على حماية الفارين من الحروب والاضطهاد والبحث عن حلول لهم، بما في ذلك حلول خارج ليبيا. لكن الجدل تجاوز الخلاف حول سياسات الهجرة، مع تحذيرات حقوقية متزايدة خلال الأشهر الماضية من تصاعد خطاب الكراهية والمعلومات المضللة والتحريض ضد المهاجرين واللاجئين، ولا سيما القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء.
وقالت هيومن رايتس ووتش في يوليو/تموز إن خطابًا معاديًا للمهاجرين ترافق مع اعتقالات جماعية وعمليات طرد. وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه ليبيا منقسمة بين سلطتين متنافستين؛ حكومة الوحدة الوطنية التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها في الغرب، وسلطة موازية في الشرق مدعومة من مجلس النواب، فيما تفرض قوات القيادة العامة نفوذًا واسعًا على مناطق في شرق البلاد وجنوبها.
وقال علي العسبلي، مدير منظمة «رصد الجرائم في ليبيا»، لـ DW إن ما جرى في سبتمبر/أيلول لا يمكن فصله عن سياق أوسع من تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضد المهاجرين. وخلال حوار أجرته DW معه، قال العسبلي إن المنظمة رصدت خلال الأشهر الماضية «تصاعدًا في خطاب الكراهية والتحريض والانتهاكات التي تستهدف المهاجرين»، مشيرًا إلى أن مؤسسات عامة ومسؤولين ووسائل إعلام مرتبطة بالسلطات ساهمت، وفق توثيق المنظمة، في تضخيم هذا الخطاب، وفي بعض الحالات قيادته.
وحذر العسبلي من تحول الهجمات المتفرقة على المنظمات إلى ما وصفه بـ«نمط أكثر تنظيمًا»، يجمع بين التحريض والهجمات المباشرة والقيود الإدارية والمراقبة.
ولم تقتصر مطالب حراك «لا للتوطين» على إغلاق مقار المنظمات الدولية العاملة في ملف الهجرة واللجوء، بل امتدت إلى مطالبة حكومة الوحدة الوطنية بإلغاء مذكرة التفاهم الموقعة بين ليبيا وإيطاليا بشأن التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية وتعزيز أمن الحدود، ووقف العمل بما يرتبط بها من ترتيبات وملحقات.
ويرى الحراك أن استمرار التعاون بموجب المذكرة يسهم في إبقاء المهاجرين داخل الأراضي الليبية ومنع وصولهم إلى أوروبا، وهو موقف يضعه ضمن انتقادات أوسع لسياسات الاتحاد الأوروبي الرامية إلى إدارة الهجرة خارج حدوده الجنوبية.
وتعود مذكرة التفاهم الليبية-الإيطالية إلى الثاني من فبراير/شباط 2017، حين وقعتها حكومة الوفاق الوطني آنذاك مع الحكومة الإيطالية. وتنص على التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والتهريب، ودعم قدرات السلطات الليبية في مراقبة الحدود البرية والبحرية.
وفي المقابل، تعرضت المذكرة منذ توقيعها لانتقادات متواصلة
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار المصطبة.